الشيخ محمد رشيد رضا
283
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
به ليس الروح لأنك قد عرفت في الأمر الأول انه ما كان عدم الايمان مظنونا منهم وقت نزوله بل لا مجال للاستبعاد أيضا ، فلا حاجة إلى هذا القول ، وليس من شأن الحكيم العاقل أن يتكلم بكلام فضول ، فضلا عن شأن النبي العظيم الشأن ، فلو أردنا به النبي المبشر به يكون هذا الكلام في محله ، وفي غاية الاستحسان لأجل التأكيد مرة ثانية ( 6 ) إن عيسى عليه السّلام قال ( هو يشهد لأجلي ) وهذا الروح ما شهد لأجله بين أيدي أحد لان تلاميذه الذين نزل عليهم ما كانوا محتاجين إلى الشهادة لأنهم كانوا يعرفون المسيح حق المعرفة قبل نزوله أيضا فلا فائدة للشهادة بين أيديهم والمنكرون هم الذين كانوا محتاجين للشهادة فهذا الروح ما شهد بين أيديهم بخلاف محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فإنه شهد لأجل المسيح عليه السّلام وصدقه وبرأه عن ادعاء الألوهية الذي هو أشد أنواع الكفر والضلال وبرأ أمه عن تهمة الزنا وجاء ذكر براءتهما في القرآن في مواضع متعددة وفي الأحاديث في مواضع غير محصورة ( 7 ) ان عيسى عليه السّلام ( قال وأنتم تشهدون لأنكم معي من الابتداء ( وهذه الآية في الترجمة العربية المطبوعة سنة 1816 هكذا ) وتشهدون أنتم أيضا لأنكم كنتم معي من الابتداء ) وفي الترجمة العربية المطبوعة سنة 1860 هكذا ( وتشهدون أنتم أيضا لأنكم معي من الابتداء ) فيوجد في هذه التراجم الثلاث لفظ أيضا وكذا يوجد في التراجم الفارسية المطبوعة سنة 1816 وسنة 1828 وسنة 1841 وفي ترجمة اردو المطبوعة سنة 1814 ترجمة لفظ أيضا فلفظ أيضا سقط من التراجم التي نقلت عنها عبارة يوحنا سهوا أو قصدا فهذا القول يدل دلالة ظاهرة على أن شهادة الحواريين غير شهادة الفارقليط فلو كان المراد به الروح النازل يوم الدار لم توجد مغابرة بين الشهادتين لان الروح المذكور لم يشهد شهادة مستقلة غير شهادة الحواريين بل شهادة الحواريين هي شهادته بعينها لان هذا الروح مع كونه إلها متحدا باللّه اتحادا حقيقيا بريا من النزول والحلول والاستقرار والشكل التي هي من عوارض الجسم والجسمانيات نزل مثل ريح عاصفة وظهر في أشكال ألسنة مقسمة كأنها من نار واستقرت على كل واحد منهم يوم الدار فكان حالهم كحال من عليه أثر الجن ، فكما أن قول الجن يكون قوله في تلك